آخر الاخبارأخبار إجتماعيّةأخبار فنيّةكل الاخبار

ودّعْنا فيروز بخطيئة مميتة…

هنادي دياب

من أصعب ما يمكن أن يفعله الصحافي هو الكتابة عن فيروز. فمجرّد التفكير باسم “فيروز” في سبيل الكتابة يخلق نوعاً من ال


قلق والتوتّر، أقلّه بالنسبة إليّ، إنْ لم يكن بالنسبة إلى جميع الكتّاب الصحافيين، خوفاً من ألاّ نفيها حقّها المعنويّ وألا تكون كلماتنا على قدر وهج اسمها.

لكي نكتب عن امرأة مثل فيروز، علينا التحلّي بجرأة مختلفة وامتلاك شجاعة ربّما أكبر من كل الحبّ الذي يشعره الناس تجاهها. علينا أن ننسى أنها “الفنانة الأعظم”، (إن جاز التعبير)، علماً أنها فعلاً كذلك، وأن نكتب فقط لأنها هذه الفيروز الوحيدة بفرادتها وبندرتها وبقوّتها في توحيد اللبنانيين خصوصاً والناس عموماً على اسمها وقيمتها.

رغم أنّ بعض الكتّاب، أدباء أو صحافيين أو شعراء، يحاولون مراراً وكلما سنحت لهم الفرصة أن يفوا فيروز حقّها بكلماتهم العذبة، إلا أنّ تراكم الظلم بحقّ ما قدّمته على مدى عشرات السنين يكاد يحجب كلّ كلمة جميلة من الممكن أن تقال فيها.

نأسف اليوم على هذا الزمن الذي لم تَعُدْ فيه فيروز هي مدلّلة كل الإذاعات اللبنانية بعدما كانت المدلّلة الوحيدة بكامل رصانتها التي لم تفقدها يوماً. كنّا نودّع ليلنا ونستقبل صباحنا ببساطة جميلة، راقية، بقدسيّة… بصوتها. كنّا نفعل ذلك يوم لم يكن النظر إلى كل شيء بلغ حدّ الماديّة. ترتكب إذاعاتنا منذ سنوات “الخطيئة المميتة” التي لا يغفرها مَن يعشقون فيروز من دون مقابل.

ما أجملها إذاعاتنا حين كان صوت فيروز يكفيها لتُلْقي على مستمعيها تحيّة الصباح بهذا القدر من البلاغة… أمّا اليوم فذبلت قدسيّة الصباح في لبنان لتحتلّها برامج وأغنيات لا تليق لا بالصباح ولا بأيّ وقتٍ من النهار.

وما أغربها إذاعاتنا حين أصبحت تكتفي بالتشبّث بالحجّة التي تقول إن نمط الحياة الذي بات سريعاً جداً وزحمة السير أرغماها على بثّ هذا النوع من البرامج والتخلّي عن صوت فيروز.

مرّت يوماً “خبرية زغيرة” على مسمعي تلقّفتها باستغراب شديد وأسف أشدّ. أخبرني أحدهم أنّ إحدى صديقاته تفوّهت أمامه بـ “رأيها” الخاصّ قائلةً وبكلّ ثقة وقناعة: “فيروز ولا ممكن تِنْسَمَع بعد الساعة سبعة الصبح!”. ظننتُ أن ما سمعته حينها كان مجرّد دعابة حمقاء منها.

لا أعلم لمَ يعتقد بعض الناس أن فيروز محصورة بفترة الصباح فقط ظناً منهم أن صوتها من السهل جداً أن يتحدّد له وقت وساعة ولحظة للإستماع. وأمر مثير للتعجّب عندما لا يحْسِن هؤلاء الاستماع إلى فيروز في أي ساعة كانت من ساعات اليوم الأربعة والعشرين.

مهما ذبلت صباحاتنا، إلا أنّ صدى صوت فيروز عبر الأثير لم يذبل أبداً. هو ما زال يصدح إلى اليوم في آذان المتعطّشين إليه وقلوبهم، وهم كثر، مشوّشاً على كل الضجيج السمعيّ المفروض عليهم وعلينا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق